ما قيل عنها خلال حفل التأبين الرسمي
كلمة طبيب الفقيدة - الدكتور حاتم منلا
في البداية، أتوجّه بأحر التعازي لأفراد عائلة الدكتورة الفقيدة منى حدّاد يكن رحمها الله فرداً فرداً، كما لجامعة الجنان، ومؤسسات الجنان التربوية، وللأساتذة والدكاترة الحاضرين معنا والغائبين، ولكل من واكبها في مسيرة حياة أفنتها في الخير والعطاء، كما أنني أتقدم بالشكر لذوي الفقيدة الغالية، للشرف الذي منحوني إياه عبر دعوتي للمشاركة في هذا الحفل التأبيني.
أما بعد:
فإن قصتي مع الدكتورة منى حداد رحمها الله تعود إلى ما يناهز الأربعة عشر سنة، لا تساعدني بلاغتي المتواضعة على سردها. كيف لي ذلك وقد كانت الفقيدة تسطر أمامي آيات من الإيمان والنضال والصراع الخفي مع المرض.
كانت بداية ذلك في شهر كانون الثاني من سنة 1999 وكما كانت تحب أن تردد دائماً: في أول يوم من أيام عيد الفطر، فبعيد فجر ذلك اليوم أصابها تمزّق حادّ في الشريان الأبهر هدد حياتها مباشرة، وعرضها للخطر الشديد، مما اضطرها للخضوع لعملية جراحية صعبة وطويلة ودقيقة، ولكن شاء الله أن تُكلل هذه العملية بالنجاح التام، بقوة عزمها ودعاء زوجها المستجاب الداعية الدكتور فتحي يكن رحمه الله تعالى، الذي لم يفارقها لحظة واحدة خلال محنتها، فتعرفت عن كثب على هذه العائلة الكريمة، وعلمت حجم النعمة التي خصهم الله تعالى بها، وذلك عبر نضالهم الدؤوب للرقي بمدينة طرابلس في جميع المجالات التعلمية والجامعية والأكاديمية.
ذلك أنه حتى عندما كانت الحاجة منى رحمها الله على فراشها في المستشفى قد أوصلت للعالم أجمع مدى الرقي الذي توصل إليه الطب في حبيبتها وفيحائها طرابلس.
وعندما عاينها أحد أشهر الأساتذة في جراحة القلب في فرنسا هنأها على صحتها، ونصحها بالتخفيف عن نفسها، وبالتقليل من حجم المجهود المبذول في العمل. إلا أنه لم يكن يعلم ما كنّا نعلمه عمّا كان يحيك في نفسها من أهداف عظيمة ومشاريع كبيرة.
ذلك أن كل من واكبها خلال الأربع عشر سنة الخالية لم ير على وجهها المرض والأسى، بل عزيمة الشباب وأحلام الصبا، وآمال وطموحات بلا حدود.
كانت الحاجة منى رحمها الله، تخفي معاناتها حتى عن أقرب ذويها، عن الحاج فتحي، عن ولدها، عن بناتها وعن أصهرتها، وكانت رحمها الله إذا ما دعاها الواجب لا تأبه بوعكة صحية، ولا بنصيحة طبيب، فلا تؤجل عملاً حتى ولو كان الألم يصارعها، ولا تتورع عن سفر حتى لو كان المرض يغالبها، وكان فضولها العلمي جامحاً، فهي تريد أن تعلم كل شيئ عن حالتها الصحية بأدق تفاصيلها، وكان إيمانها راسخاً، فكان علمها بمرضها يثبت عقيدتها، ولا يزيدها إلا شفافية وقوة.
أيها الحفل الكريم:
نعم... واكبتُ الدكتورة منى رحمها الله طيلة هذه المدة ورأيت من خصالها ما رأيتموه وما رآه الملأ، من وقار وعفة وورع وكرم وعدل وعقل، كما أنني رأيت في خصالها ما لم أره في الشباب من إقدام وشجاعة. رأيت كذلك من خصالها ما لم أره في الأوفياء لمدينتهم من شغف ولهف وحب لهذه الفيحاء حتى كان ذلك اليوم.
كانت الفاجعة أليمة علينا، وعلى كل من عرفها فأحبها وقدّرها...
هرعت مسرعاً إلى دارها، فوجدتها مطمئنة في سريرها مستلقية، كما كانت تستلقي باطمئنان كعادتها، وجدتها راضية السرائر، كما كانت سرائرها راضية كالمعتاد، وجدتها قريرة العين، كما كانت عيناها قريرتان دائماً، ووجدتها بشوشة الوجنات كما كنت دائماً أعهدها، فأمسكت بيدها وكانت دافئة كفؤادها، فعلمت أنها تقبل بشغف وبكامل جوارحها على مرحلة جديدة، كما كانت تقبل من قبل بشغف وبجميع جوارحها نحو الصعاب والأهداف السامية في حياتها.
توفى الله الحاجة مطمئنة راضية مرضية، فما سمعت في تلك الغرفة إلا همسا...
همس الرجال.. همس النساء... همس الأقارب... وهمس المحبين... لا يهمسون إلا بذكر الله..
فإلى كل من واكبها وأحبها...
إلى أهلها...
إلى أهلنا...
إلى طلابها الذين حملتهم ليبيعوا ضلالاتهم بالهدى...
أتقدم بأحر التعازي وأستذكر قول أبي الحسن التهامي فأقول:
ما زلنا بجوار مصاعب دنيانا وعداواتها ومظالمها، بينما أضحت أم سالم بجوار ربّها...
فشتّان شتّان... بين جوارها، وجوارنا...
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى بركاته.
للمزيد من الصور انقر هنا...